حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

583

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

للتهديد . ثم بين ذلك التهديد بقوله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : 209 ] ثم ثنى ذلك التهديد بقوله هَلْ يَنْظُرُونَ [ البقرة : 210 ] الآية ثم ثلث التهديد بقوله سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ والخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم أو لكل أحد . وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة ، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام اللّه تعالى . والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من اللّه تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات اللّه لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا . و « كم » تحتمل الاستفهامية والخبرية ، و مِنْ آيَةٍ مميزها ، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل . فإن كانت استفهامية فالتقدير : سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها . وإن كانت خبرية فالمعنى : سلهم عن أنا كثيرا من الآيات آتيناهم . والآيات الواضحات إما معجزات موسى عليه السلام كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم اللّه إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [ الإسراء : 101 ] وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من أمن وأقر ومنهم من جحد وبدل وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ قيل : إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم ، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة . ثم إن قلنا : الآيات معجزات موسى فتبديلها أن اللّه تعالى أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] وإن قلنا : الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها . وقيل : المراد بنعمة اللّه ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية ، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما وعليهم من التكاليف ، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله . وعلى هذا فقوله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ معناه ظاهر ، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ [ البقرة : 75 ] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة . فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ قال الواحدي : الرابطة محذوفة أي له . والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفا بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء ، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفا بذلك وصفا ذاتيا . ثم قال الواحدي . والعقاب عذاب يعقب الجرم . ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الآية . والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة ، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد ،